محمد بن محمد ابو شهبة
417
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
الحق أن الإغراب على القراء بمثل هذه الأفكار المسمومة ، والآراء الشاذة الغريبة تشكيك لهم في عقائدهم الصحيحة ، وتسميم لعقولهم ، وانحراف بهم عن فطرتهم السليمة ، والحق أبلج لا يحتاج إلى تكلف ، وتعمّل وتفلسف من غير داع « وما أنا من المتكلّفين » كما أنه أثر من اثار مجاراة المستشرقين ومتابعتهم في أفكارهم . متى كان الإسراء والمعراج ؟ يكاد يجمع العلماء المحققون على أن الإسراء والمعراج كانا بعد البعثة المحمدية ، وأنهما كانا في اليقظة لا في المنام ، وقد تظاهرت على ذلك الروايات المتكاثرة في كتب الحديث المشهورة ، وكتب السير الموثوق بها . وأما ما روي من أنهما كانا مناما كما في حديث شريك بن عبد اللّه « 1 » عن أنس فهو غلط من شريك ، وقد خالف فيه شريك أصحاب أنس « 2 » في إسناده ومتنه بالتقديم والتأخير والزيادة المنكرة ، وأشد أوهامه - أغلاطه - قوله : سمعت أنس بن مالك يقول : « ليلة أسري برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مسجد الكعبة أن جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه » . والإمام البخاري قد أخرج في صحيحه الرواية التي اتفق عليها الرواة عن أنس - ما عدا شريك - في عدة مواضع من كتابه ، وهي الرواية الصحيحة ، وذكر أيضا الرواية التي وقع فيها الغلط من شريك ، ولعل ذلك لينبهنا إلى ما فيها من غلط ، وللإمام البخاري في سوق الروايات والمتون المكررة شفوف نظر ، ومقاصد دقيقة لا يقف عليها إلا من أطال النظر في هذا الكتاب الجليل . وقد نبه على غلط شريك بن عبد اللّه في روايته الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه ، فقد قال بعد ذكر سند رواية شريك : « وساق الحديث بقصته نحو حديث ثابت البناني ، وقدّم فيه شيئا وأخّر وزاد ونقص » « 3 » .
--> ( 1 ) شريك بن عبد اللّه بن أبي نمر تابعي مدني ، وهو أكبر من شريك بن عبد اللّه النخعي التابعي . ( 2 ) يعني الرواة الذين عرفوا بالرواية عن أنس . ( 3 ) صحيح مسلم بشرح النووي ج 2 ص 217 .